محمد بيومي مهران
29
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
ولعل من الأهمية بمكان هنا الإشارة إلى أن الخليفة الراشد أبا بكر الصديق كان موفقا التوفيق كل التوفيق في مهمته الجليلة - والخطيرة كذلك - لثقة الناس فيه « 1 » ، ثم لاختياره للصحابي الجليل « زيد بن ثابت » ، ذلك الاختيار الذي توفرت له كل عوامل النجاح ، لأسباب منها ( أولا ) أن زيدا كان شابا ، ومن ثم فهو أقدر على العمل من غيره ، وهو لشابه أقل تعصبا لرأيه واعتزازه بعلمه ، وذلك يدعوه إلى الاستماع لكبار الصحابة من القراء والحفاظ ، والتدقيق في الجمع دون إيثار لما حفظه هو ، ومنها ( ثانيا ) أن زيدا إنما كان من حفاظ القرآن الكريم ، فقد وعاه كله ، ورسول اللّه حي ، ثم هو ( ثالثا ) من كتاب الوحي لرسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلّم ) وهو فوق ذلك ، كان معروفا بشدة ورعه ، وعظم أمانته ، وكمال خلقه ، واستقامة دينه ، فضلا عن نبوغ وذكاء ، ولعل كل ذلك ، ما كان يعنيه الصديق من قوله : « إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك ، كنت تكتب الوحي لرسول اللّه ، ( صلى اللّه عليه وسلّم ) ، فتتبع القرآن فأجمعه » « 2 » ، ومنها ( رابعا ) أنه من المتواتر أن زيدا إنما حضر العرضة الأخيرة للقرآن ، حين عرضه رسول اللّه على جبريل للمرة الثانية ، في السنة التي كانت فيها وفاته ، « 3 » ، ومنها ( خامسا ) أن زيد بن ثابت - وإن كان في حداثة من السن في جانب أكابر الصحابة - فقد كان من أكابرهم في الفقه والرأي ، وكانت الرئاسة له بالمدينة في القضاء والفتيا ،
--> ( 1 ) T . Noeldeke , po - cit , P . 205 ( 2 ) الاتقان 1 / 59 البرهان ص 233 ، تفسير القرطبي 1 / 50 ، فضائل القرآن ص 14 ، تاريخ القرآن للزنجاني ص 17 ، مقدمتان في علوم القرآن 18 ، 25 ، 26 ، 51 ، 52 ، وأنظر لوبلوا حيث يقول - بعد أن أورد هذه الرواية - « من ذا الذي لم يتمن لو أن أحدا من تلاميذ عيسى الذين عاصروه قام بتدوين تعاليمه بعد وفاته مباشرة » - ( Leblois , le Koran et la Bible Hebraique , Paris , 1887 , P . 47 ) ( 3 ) تفسير القرطبي 1 / 53 ، محمد أبو زهرة : القرآن ص 28 ، عبد الصبور شاهين : تاريخ القرآن ص 107 ، محمد حسين هيكل : الصديق أبو بكر ص 321